قصة : سليم الثلج
لقد قضينا يومًا جميلًا وسعيدًا. ذهبت زوجتي للتسوق مع صديقتها، فقمت بدعوة صديقي للمنزل لنقضي معًا وقتًا ممتعًا ونطهو الطعام، لنعيد أيام الشباب في الجامعة.
صديقي سليم هو صديق طيب وودود، يشجعني ويحمسني في مختلف المجالات. إنه شخص وسيم ولطيف جدًا في ابتسامته. أعتمد عليه في استشارته قبل اتخاذ قرارات مهمة في حياتي.
مشكلتي مع سليم هي أني لا أعرف الكثير عن حياته الشخصية ولا يعرف الكثير عني. يبدو أن تحركاته ودائرة أصدقائه محدودة. عندما أسأله عن أمور شخصية، يتجنب الحديث عنها. أنا أفهم أنه يكون ذلك بحسن نية ويتجنب إزعاجه بأسئلتي المتكررة.
في حين قام سليم بمساعدتي في تقطيع الطعام، قمت أنا بوضع القدر على النار ووضعت الماء فيه للغليان. قمت بوضع الخضار في القدر وبدأت في انتظار الغليان، وفي ذلك الوقت قمت بالرد على مكالمة هاتفية ورسالة على تطبيق الواتساب. كنت أخرج وأدخل المطبخ بين الحين والآخر للرد على المكالمة وترتيب الصالة وجهزت طاولة الطعام. ولكن، كان هناك شيء غريب يحدث!
الماء لم يغلي على الرغم من أني اتبعت تعليمات سليم لخفض درجة الحرارة. استغربت من وجهة نظره ولكن قررت الانتظار. وضعت الخضار في القدر وبينما كنت أنتظر ليغلي، كنت أدخل وأخرج من المطبخ للتعامل مع مكالمة هاتفية أو رسالة على الواتساب. ثم لاحظت أن الماء لم يغلي بعد الانتظار الطويل. عندما أعربت عن استغرابي لسليم، قال لي أنني أتسبب في تأخير الغليان بسبب وضع الخضار الباردة في القدر.
لم أعط الموضوع الكثير من الاهتمام وانشغلت بالمكالمة الهاتفية مع زوجتي في البلكونة. بعد انتهاء المكالمة، كنت في الزاوية التي يمكنني من خلالها رؤية المطبخ دون أن يراني من في المطبخ، وهنا حدثت المفاجأة. لاحظت سليم وهو يقترب من القدر ويضع شيئًا في الماء، ثم يلتفت نحو البلكونة ليتأكد من أنني لا أراه، ثم يغلق القدر ويتظاهر بعمل شيء آخر في المطبخ.
كانت هذه حقًا حالة غريبة! قررت الانتظار وتظاهرت بالاشتغال بالمكالمة حتى يظن أنني مشغول وغير منتبه. استمريت في مراقبته ورصد تحركاته. لاحظته وهو يفتح الثلاجة ويراقب البلكونة مرة أخرى ليتأكد من عدم رؤيتي، ثم يعود ويضع شيئًا في القدر ويغلقه مرة أخرى. في ذلك الحين، ذهبت بسرعة إلى المطبخ لمعرفة ما يحدث. فتحت القدر واكتشفت أن الماء لم يغلي بعد، ثم نظرت إلى الثلاجة ووجدت أن قالب الثلج قد نقص. حينها فهمت أنه كان يضع الثلج في الماء لتبريد القدر ومنع الغليان السريع. وهذا ما أثار استغرابي!
لماذا كان يفعل ذلك؟ وكيف يتوقع أن أعرف ما هو الهدف من وضع الثلجفي الماء؟ كانت لدي فضول غريب لمعرفة السبب وراء ذلك وما الذي ينويه! هل هو مزحة أم أنه يخطط لشيء ما يتعلق بجودة الطعام؟
استمررنا في إعداد بقية الوجبات وبدأنا نقدمها، لكنني لاحظت أن سليم لم يمد يده ليأكل من الطعام. فسألته بفضول لماذا لا تأكل؟ فأجاب بأن الطعام ليس لذيذًا، ثم بدأ يلمح بشكل ساخر إلى أنني لا زلت ضعيفًا في الطبخ كما كنت في أيام الجامعة. ثم بدأ يضحك وأرسل فيديو ليظهرني أثناء محاولتي قطع الخضار الصلبة بسبب برودة الماء، وأرسله إلى أصدقائنا القدامى ليضحكوا علي وعلى قدراتي في الطبخ. حينها فهمت المقصود!
لم أواجهه في هذه اللحظة ولم أخبره أنني شاهدت ما حدث، لأنني أعتقدت أنه سيخبرني بأنها مجرد مزحة وأنه لا يقصد إلا المزاح او ربما لكي لا احرجه بحكم انه ضيفي على اي حال. ولكن استمر في تصرفاته وكأنه طبيعي تمامًا. ما زلت مستغربًا لكن الفضول يتغلب علي وأرغب في معرفة كيف ستتطور هذه المسرحية.
لم يكن هناك حديث يملأ الطاولة لبعض الوقت أثناء تناولنا الغداء. كنت غارقًا في تفكيري وتذكر أحداثٍ سابقة وهو يقدم لي نصائحه وإرشاداته سواء في عمله أو في مشروعي الخاص أو في أي مشروع يكون لي فيه مصلحةٌ ماديةٌ أو معنويةٌ. أتذكر كيف ينصحني بعدم الانخراط في مشروع معين بسبب المخاطر العالية، أو عدم الحاجة لدراسة ماجستير معين لأن تكاليفه عالية ولا تنطبق على مجال عملي، بل يجب أن أجمع المال لمشروع زواجي. كما نصحني بعدم حضور دورة معينة لأنها غير مرتبطة بمجال عملي بشكل مباشر، وأن الأفضل هو تجربة الحياة العملية لأتعلم منها.
استنتجت بعد تفكير عميق ومراجعة أن سليم، بابتسامته الباردة، كل ما ينصحني به ويفعله يعمل كالثلج الذي يوضع على القدر لكبح غليان الماء وكسر الحماس وتشتيت التركيز عن المضي قدمًا والنمو. ألقيت نظرة على سليم وأنا مبتسم وأعاد لي الابتسامة بابتسامة باردة، ثم وضعت يدي على كتفه وقلت: "صديقي سليم، أنت مثل الثلج في قلبي!" رد سليم بابتسامة وقال: "أنت لي أكثر من صديق، أنت كأخ لي!"
مع غروب الشمس في ذلك اليوم، وأنا أودعه على باب المنزل، لم يكن يعلم سليم أنه سيكون الوداع الأخير بالنسبة لنا. سأظل على اتصال معه وأسلم عليه وأبتسم له، ولكنني لن أدعه يكون لي ثلجًا يعوقني عن تحقيق أهدافي وطموحاتي.
صديقي العزيز سليم، قد استغليت ربما غريزة الخوف والقلق التي تعتري الإنسان وتجعله يتردد ويتراجع في اتخاذ القرارات الحاسمة. قد تخشى أن أتفوق عليك في الحياة وأنجح ماديًا وروحيًا. قد تخشى أن ترى فيني ما لم تستطع تحقيقه أنت. قد تعاني من عجز نفسي تحاول فيه أن لا ترى أسوى الضعف والتقييد. يمكن أن تخشى أن تكون لديك تجارب سابقة سيئة قيدت طموحاتك وتوقفت فيها، وقد تحاول أن تقيد قدراتي وتمنعهاوتوقفها لتستفيد من محدوديتي لتشبع ربما غريزه التحكم التي فيك.
أعذرني، ولكن أرغب في إنشاء تجربتي الخاصة بنفسي وأثبت نفسي في العالم. أرغب في الوقوف على الأرض وتحقيق النجاح والفشل، الصعود والهبوط، النجاح والفشل. سأكون فخورًا في يومٍ من الأيام بأنني عشت تجربة حياة كاملة وثرية ومليئة بالإثارة. سواء تحققت أهدافي أم لم أحققها، سأكون فخورًا بأنني عاشرتها وسأكون قادرًا على روايتها وكتابة فصولها بمكاسبي وتجاربي المادية والروحية، سأكون فخورًا حتى وإن لم أنجح بنجاح سليم، ولكن على الأقل، سأكون قد اكتشفتها بعيدًا عنك يا سليم.
لا أعطي اهتمامًا لجميع الأسباب والدوافع التي جعلتك تكون كالثلج ولن أسمح لها بأن تكون عقبة أمامي. تخلص من قيودك السابقة وعقدك النفسي الذي تحاول من خلاله أن تعرقلني. إذا كانت لديك مشاعر سلبية، فلا تجعلها تجمدني! حان الوقت لتكون صفحةً من كتاب حياتي أحط عليها ذكرياتي وأنطلق.
أنا لست بحاجة لكل تلك الأسباب والاعتذارات التي تجعلك تقف في طريق تحقيق طموحاتي. سأستمر في النمو والتطور بمفردي، ولن أدعك تكون ثلجًا يحبطني.
عمرو محمود


Comments
Post a Comment