(2) التخلف الإجتماعي – مدخل إلى سيكولوجيا الإنسان المقهور - المنظور النفسي في فهم التخلف:



صفحة من كتاب
في هذه المنشور اقوم بتلخيص او نسخ صفحة او فقرة من كتاب  واحد لفترة زمنية قبل الإنتقال إلى كتاب اخر، المعيار الذي اختار به ما ينشر هنا هو سهولة فهم المادة حتى و إن لم يتم الإطلاع على المنشور السابق، انه تلخيص بسيط و مشاركاتكم ناقدة او إضافية او تعزيزية تفيدني و القراء لرسم صورة اوسع للقارئ.  

التخلف الإجتماعي – مدخل إلى سيكولوجيا الإنسان المقهور - الدكتور مصطفى حجازي :
الكتاب يناقش: التكوين النفسي و التكوين الذهني للإنسان المتخلف، بديناميته الخاصة، و حركته التاريخية، و الأساليب المتنوعة التي يجابه بها مأزقه الوجودي، يوضح الكتاب ان حياة الإنسان المتخلف و ممارساته و تطلعاته، هي ابعد ما يكون عن العشوائية و التشتت اللذين يبدو انهما يميزانها طاهرياً.  

ان انفجار العنف و الأشكال التي اتخذها و ما يحيط بها من ظروف ما تحركه من قوى و عوامل، تعتبر في نظر الكاتب فرصة كاشفة لما يعتمل في بنية المجتمع المتخلف من عنف، ما يصطرع فيها من مازق و تناقضات، و هي بالتالي تبين لنا ما يتعرض له الإنسان في ذلك العالم من قهر و إعتباط. و ما يحل بقيمه الإنسانية من هدر، كذلك اتّخذ العنف وما يدفعه من قهر وهدر لكيان الإنسان في الحالة الراهنة، حتى و ان ظهر نوع من و السكون الظاهري في المجتمع.  


_______________________
المنظور النفسي في فهم التخلف:

معظم الدراسات التي عنت بظاهرة التخلف، اهملت إلبنى الفوقية (النفيسة، العقلية، القيم الموجهة للوجود)، إنها و ان كانت في الأصل نتاجاً للبنى الإجتماعية و الإقتصادية، انها تتحول إلى عامل يرسخ هذه البنى التحتية و يعزز وطأتها. فإذا كان تحالف القلة مع المحظوظة مع القوى الأجنبية يشكل اكبر عقبة في طريق التطوير، فإن البنية الفوقية – المتميزة بطابع التسلط و الرضوخ، تشكل مصدراً هاماً لمقاومة التغيير، في الخروج من هوة التخلف.
المثل الأفصح على ذلك هو التسط و الإستلاب الذي يفرض على المرأة، من خلال ما تتعرض له من تسلط و ما يفرض عليها من رضوخ و تبعية و إنكار لوجودها و انسانيتها، و هذه المرأة المستلبة اقتصادياً و جنسياً في البلدان النامية، تعاني من استلاب اخطر بكثير و هو الإستلاب العقائدي، و يقصد بالإستلاب العقائدي تنبي المرأة لقيم سلوكية، و بذلك هي تقاوم تحررها، و ترسخ البنى التسلطية المتخلفة التي فرضت عليها، و اكثر من هذا تعممها على الاخرين، من خلال نقلها إلى اولادها، تنقلها إلى البنات منهم حين تفرض عليهن تشريط من اجل الرضوخ للرجل (الأب و الأخ و الزوج) و تغرسها للصبيان من خلال غرس النظرة الرضوخية للسلطة، و التبعية لسيادة القلة ذات الحظوة.
إذا كان التخلف التقني و الصناعي و الإقتصادي واضحاً، فإن التخلف النفسي الوجودي ما زال بحاجة إلى جهد كبير لإستجلاء غوامضه،
التخلف النفسي اسلوب حياة ينبت في كل حركة و تصرف، في كل ميل و توجه له خرافاته و اساطيره و معاييره التي تحدد للإنسان موقعه، و نظرته إلى نفسه، نظرته إلى الهدف من حياته، و اسلوب انتمائه و نشاطه ضمن مختلف الجماعات و موقفه من العالم المادي و طواهره و مؤثراته، هناك مجموعة من العقد تميز الإنسان المتخلف: فهو يولد الاماً معنوية تهد التوازن النفسي. و لذلك تبرز أوليات دفاعية ضد هذه الالام و ذلك الخطر المهدد للتوازن.  
العالم المتخلف هو العالم الذي يتحول فيه الإنسان إلى شئ، إلى قيمة مبخسة، يتلخص هذا الهدر في قيمة الإنسان و كرامته صوراً تتلخص في اثنين: عالم الضرورة و القهر التسلطي.


اما عالم الضرورة فهو تعبير عن الإستلاب الطبيعي الذي يتعرض له الإنسان و البلد المتخلف. انه اسير الإعتباط حين يرضخ لعوائل الطبيعة التي تهدده في صحته، و امنه و قوته، و سلامته. إنسان العالم المتخلف منذ ان يولد يخرج إلى الحياة بشكل شبه إعتباطي. انه يولد كمصادفة أو عبء، أو اداة لخدمة اعراض و رغبات اهله أو الأخرين. انه يولد لذاته و لا يعيش حياته لذاته. ثم هو يتعرض لغرو المرض، و لسيطرة الأمية و الجهل، و لقسوة الطبيعة و غوائلها بدون حماية او سلاح كافيين. يتعرض لسوء التغذية و فقدان فرص العمل، و صعوبة المأوى. يقف عاجزاً امام عالم الضوروة هذا، لا يعلم أي نوع من الضحايا يمكن ان يكون، اين و متى؟
اما عالم القهر التسلطي، فهو عالم سيادة القلة ذات الحظوة التي تفرض هيمنتها على الغالبية بالتحالف مع قوى خارجية إستعمارية صريحة أو مقنعة، خالقة نموذجاً عاماً من العلاقة التسلط و الرضوخ، دائماً يكون هناك طرف راضخ و اخر متسلط، سيطرة تفرض من خلال لغة العنف اساساً، نجد هذا النمط من اعلى قمة الهرم إلى ادناها، من الحاكم الأول إلى مرؤوسيه و من هولاء إلى مرؤسيهم، و منهم غالبية السكان. وبين هولاء من الأقوى إلى الأضعف، من الرجل إلى المرأة، من الكبار إلى الأطفال، و بين الأخوة من الأكبر سناً إلى الذين يلونهم، و اما قمة الهرم فهي ترضخ لنمط مقنع من السيطرة يفرض من خارج الحدود. إذ إن علاقة التحالف بين القلة ذات الإمتياز و القوى الخارجية المالية و العسكرية و السياسية التي تدعمها، ليست علاقة تكافؤ و مساواة، بل علاقة سيادة تبعية.
مارس الإستعمار العنف لفرض نفسه و غرس في وعي المُستعمرين انهم ليسوا بشر و انما اشياء. في رسالة استقالة الطبيب النفسي الفرنسي "لفانون"  للحاكم الفرنسي في الجزائر من منصبه كطبيب في مستشفى الأمراض النفسيه قبل تحرير الجزائر: ( إن الإنسان العرفي في الجزائر، يحس بالغربة و الوحشة في بلده.. انه يعيش في حالة تجريد من ادميته.. ان البناء الإجتماعي الذي فرضته فرنسى على الجزائر يعادي كل محاولة لأنتشال الفرد الجزائري من حالة عدم الأدمية، و إعادته إلى حالة الادمية التي هو بها جدير..)
الإستعمار تهديم مستمر و يومي لشخصية الإنسان الجزائري، لقد كشف من خلال عمله، عقد النقص التي غرسها الإستعمار في الفرد الجزائري.
التخلف بالمنظور النفسي العريض يتجاوز إذا إلى حد بعيد مسألة التكنولوجيا و الإنتاج، ليتمحور حول قيمة القياة الإنسانية و الكرامة البشرية، كل هدر لها او تحويل إلى اداة هو تخلف، سيكولوجية التخلف، هي في رأينا، سيكولويجة الإنسان المقهور. اما التقدم المادي فليس سوى مظهر جزئي لا يجوز ان يخفي المشكلة الحقيقة. 

 الدكتور مصطفى حجازي


Comments