يحكي التاريخ أن العصيان المدني بدأ على يد مهاتما غاندي بما صار يُعرف في وقت لاحق بمسيرة الملح 1930، و التي أسس من خلالها الرجل النحيل البسيط فلسفة معاصرة هي ثورة اللاعنف و مقاومة الاستبداد السياسي البريطاني بسلمية. هذا في الهند، أما في أفريقيا فقد سار نيلسون مانديلا على نفس النهج في الخمسينيات من القرن المنصرم، ثم في الستينيات في القارة الأمريكية – في الولايات المتحدة – صدَع مارتن لوثر كنج في الجموع بكلمات حلمه عند نصب لنكولن التذكاري قائلاً: "لدي حلم". كان ذلك خطاباً جماهيرياً لا ينساه التاريخ وقد حدث في مثل هذا اليوم قبل 58 عاماً، وقد سبقته وتلته سلسلة إضرابات و عصيان مدني للسود في الولايات الأمريكية انتهت على إثرها حقبة التمييز العنصري المقنن في الولايات المتحدة
تشترك هذه التجارب القاسية بمجموعة من المبادئ مثل:
اللاعنف في المطالبة بالحقوق
شل الحركة العامة لإرغام السلطة على الخضوع للشعب و شروطه المشروعة.
أنها خالية من التحريض والعنصرية المضادة.
ولكن من يصدق لو قيل إنه في الحقيقة اول ما آمن و طبق مبدأ العصيان المدني والمقاومة السلمية كان أبو حنيفة النعمان في القرن السابع الميلادي (أواخر المائة الأولى هجرية)!
كشأن أي دولة في بداية نشأتها، تواجهها بعض الاضطرابات السياسة و المناوشات العسكرية التي يسعى من خلالها الطرف الثائر على إخضاع الدولة لسيطرته، كانت الدولة العباسية فتية و ثورتها على الدولة الأموية لم تنته بعد، فكانت تطارد قيادات الدولة الأموية و تذبحهم في كل أرض و لا تتردد عن مراقبتهم و تتبعهم والتنكيل بهم بأبشع الأساليب.
لم يختلف أمراء الدولة العباسية عن سابقيهم في الملك العضوض والحكم القسري، وبرغم وجود بعض الإيجابيات في عهدهم إلا إن حكامهم كان فيهم من الطغيان السياسي الذي لا يقل عن الأمويين، بل طال البطش كل من يعارضهم أو ينكر عليهم قراراتهم حتى حدثت بعض الثورات ضدهم.
وفي نفس الوقت كانت القوة الناعمة تتحرك وإحدى أدواتها هي استقطاب الشخصيات العامة المؤثرة للعمل تحت امرتهم لغرضين: أولاً "تبييض" صفحتهم ومحاولة تحسين سمعتهم لاستقطاب العامة إلى صفهم. ثانياً، للتأكيد على ولاء هذه الشخصيات العامة لهم و غربلتهم تمهيداً لتصنيفهم تحت مبدأ من لم يكن معي فهو ضدي!
كان أحد المستهدفين بهذه السياسة هو الإمام أبو حنيفة النعمان، وبسبب شهرته الواسعة لم تتجرأ السلطة حينها لمهاجمته بشكل مباشر رغم معرفتها باستقلالية الإمام ومعارضته لسياساتها، وفي وقت لاحق تأييده لبعض الثورات مثل ثورة الإمام زيد بن علي و ثورة محمد النفس الزكية على العباسيين.
كان يزيد بن عمر بن هبيرة والي العباسيين في الكوفة، المدينة التي ينتمي إليها و يعيش فيها أبو حنيفة، كان يريد أن يجعل خاتم الولاية تحت امرة ابو حنيفة، و الغرض واضح، أنه لا ينفذ كتاب من الكتُب (الإرساليات و قرارات الوالي) إلا بتصديق وختم أبو حنيفة، لم يكن أبو حنيفة بالرجل الساذج سياسياً الذي يستطيع احد خداعه ببساطة كبعض رجال الدين! بل كان (بمعايير اليوم) رجل مثقف سياسياً و يتمتع بوعي عالٍ وفكر مستقل، يعرف كيف يحلل الأمور تحليل منهجياً و برؤية سبقت عصر غاندي بقرون!
رفض العرض رغم المغريات و التهديد بالجلد و السجن!
ما علاقة هذا بالمقاومة السلمية؟
أنه لا يؤلب الناس على الحاكم ولم يأمر الناس بالخروج عليه و رفع السلاح، بكل بساطة رفض ان يكون أداة، رفض أن يتحول إلى مُشرع و مشرعن لتصرفاتهم و قراراتهم السياسية المليئة بالجور والظلم، و ما يؤكد منهجه هذا قوله:
"لو أراد (أي الوالي) أن أعد له أبواب مسجد واسط لم أدخل في ذلك، فكيف وهو يريد مني أن يُكتب دمُ رجل يُضرب عنقُه وأختم أنا على ذلك الكتاب، فوالله لا أدخل في ذلك أبدًا"
تحت هذه العبارة يجب وضع ألف خط، هنا بالذات تسقط فكرة أن الرجل كان "زاهداً" عن مناصب الدنيا و زينتها، بل هو منهج تؤكده الأحداث التالية.
فبعد السجن و الجلد و التعذيب الذي تعرض له الإمام و بعد يأس والي الكوفة من قبول ابو حنيفة للمنصب، سافر أبو حنيفة بعد إطلاق سراحه إلى مكة، وبعد بضع سنين جاءه الإستدعاء و لكن هذه المرة من الخلفية في بغداد، داهية السياسة في الحرب والسلم أبو جعفر المنصور، وفي حوار شديد التوتر عرض عليه منصب رفيع في الدولة وهو القضاء (وقيل قاضي القضاة). يذكر التاريخ أنه بعد أن عرض عليه المنصب ورفض أبو حنيفة، رد أبو جعفر بقوله:
أترغب عما نحن فيه؟ (أي يشكك في طاعة الإمام للدولة)
فقال أبو حنيفة: لا أصلح.
فقال المنصور وقد احتد: كذبت.
فقال أبو حنيفة: فقد حكم أمير المؤمنين على أني لا أصلح!!
ثم استخدم أبو حنيفة مهارته الفائقة في الإقناع والقياس فقال: فإن كنت كاذبًا فلا أصلح (يعني لكذبه)، وإن كنت صادقًا، فقد أخبرتك أني لا أصلح.
فأقسم أبو جعفر المنصور أنه يجب أن يقبل التعيين الجديد، و لكن اصْر أبو حنيفة على رفضه، وعندما خيره أبو جعفر المنصور بين السجن و قبول المنصب تلا قوله تعالى من سورة يوسف: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾، فأمر المنصور بضربه أولا، ثم حملوه في القيود إلى سجن بغداد.
 |
| نصيحة مستفادة (1895) - لودفيج دويتش |
بين الجلد و التعذيب النفسي و التهديد و ظلمات السجن، مات الرجل السبعيني في السجن شهيدًا تقيًا، صابرًا محتسبًا، مسطراً أول عصيان مدني سلمي في التاريخ! لا يؤلب الناس ولا يخنع و يرضخ للسلطة فضلاً عن أن يوافقها و يكون معيناً للظلمة.
هذه المقاربة لن تعجب بالضرورة المؤسسة التي تؤمن بالحاكم و طاعة ولي الأمر وإن جلد ظهرك، لأن تصرف الإمام أبو حنيفة في الحالتين السابقتين مع والي الكوفة و الخليفة ابو جعفر المنصور لا يتعدى (برأيهم) أن يكون زُهد عن المناصب و تقشف رجل تقي عن الدنيا و زينتها و ليس مقارعة الطغيان السياسي و مواجهة قمع السلطة.
وتبقى كلمات الإمام أبو حنيفة النعمان ناصعة وواضحة يردد التاريخ صداها و التي قطعاً تفند هذا الادعاء المتهافت حول زهد الإمام عن المناصب، عبارة تلخص فلسفة المقاومة السلمية وعدم معاونة الطغاة و لو بأمر تافه بسيط كي لا يصير من أعوان الظلمة، إنها منهج حياة لمن ألقى السمع وهو شهيد:
"لو أرادني أن أعد له أبواب مسجد واسط لم أدخل في ذلك!"
زُنقل
مقال جميل،،، عجبتني كلمة زنقل بالاخير
ReplyDelete