من مُذكراتي (1): اختبار تحديد المستوى
في بداية كل شهر، ياتي إلى المركز طلاب كًثر من مختلف الجنسيات و من ضمنهم بالتأكيد طلاب عرب، يخضع كل طالب جديد لأختبار تحديد المستوى.
ان كلمة "اختبار" على ما يبدوا لديها
تأثير عميق على الشاب العربي، فلديها رهبة في النفس و ترى ذلك في عيون الطالب قبل ان
يذهب لإختبار تحديد المستوى، يقلب الموضوع في رأسه لدرجة ان بعضهم يطلب بتأجيل الأختبار حتى يكون
"جاهز" و بالبعض الأخر، يريد ان يبدأ من المستوى الأول من غير ان يختبر تحديد
مستوى. كثير من الشباب العربي بعد صدور النتيجة تخلتلف ردات فعلهم و لا تخرج في العادة
عن:
اما الخضوع
و الإستسلام
او المقاومة
و الإستنكار
او الإحباط
و الإنسحاب من الدراسة.
او(الأعجب)
طلب نزول إلى مستوى ادنى.
،و هناك بالطبع العاديين يأخذون الموضوع بتلقائيه و بساطة.
،و هناك بالطبع العاديين يأخذون الموضوع بتلقائيه و بساطة.
لكل حالة ظروفها من غير الدخول في تحليلات نفسية اجتماعية، ولكن الذي
يجمع بين هذه الحالات هو شئ واحد في الغالب، كلها نابعة عن مؤثرات و نتيجة
لإرهاصات خارجية و ليست قناعة ذاتيه.
الخاضع للنتيجة و المتقبل لها، ليس قبول بها، بل من رده فعله يظهر بأنه محرج و
نوع من الشعور بعقدة نقص و قله ذكاء، و يلحظ ذلك بعبارات الألم "يالله الحمد
لله على كل حال" " ان شاء الله كله خير". المقاوم كثير منهم يخشى
من ردة فعل ولي امره بأن يعرف ان ابنه بمستوى متدني او بسبب ان وقته ضيق و يريد ان
يصعد مستوى اعلى لأستيعاب اكبر قدر من الفائدة من غير مضيعة وقت في ضنه. و هناك
صنف اخر يفقدني اعصابي، و هم المنسحبين، و هولاء لا احبهم لسبب تسويقي!
(بعد ما اكون ضيعت ساعة
اشرح له عن المركز مميزاته ينسحب من الدراسة، بصراحة تلقى هذا الصنف لعنات على
سلسفيل ابوهم مني و لكن في قلب! )
اذكر في هذا السياق قصة بنت، بعد صدور نتيجتها، جائت تُرعد و تزبد و
تهدد بالويل و الثبور و عضائم الأمور بأننا اذا لم نُرجع لها البملغ الدراسي فسوف
تقع حرب البسوس، و بعد ان شرحت لها الموقف و سياسة المركز الصارمة التي لا تعطي الطالب نتيجة اختبار تحديد مستوى على حسب "الطلب"، خرجت منفعلة و نفذت جزء من تهديدها، بالمناسبة، اعطيتها خيار اعادة اختبار
تحديد المستوى و مقابلة الإدارة الأكاديمية لأستشارتها ومعرفة رأيها في الموضوع، و
لكن للاسف ذهبت إلى سفارة بلادها و ارسلوا خطاب رسمي للإدارة، ولم تحصل على شئ ذو معنى بسبب ان موقفنا القانوني السليم، ولم يصلني من شرها سوى التوتر و بعض الوقت لشرح
الموقف لإدارتي و كتابة رد رسمي للسفارة!
بنت مشاكسة!
المهم، اما الطلب الأعجب، هو من الطلاب الذين يُحرزون مستوى اعلى في
الدراسة و يؤثرون النزول لمستوى اقل!
يضن الطالب انه لا يستحق هذا المستوى، و انه يرغب بالتأسُس من الجذور
وان هذا المستوى الذي احتازه ليس سوى ضربة حظ، و لا ارى شخصياً هذه التبريرات سوى
قله ثقة بالنفس و شعور ذاتي داخلي بالضعف و قله العزم، بل هو ربمى هروب من مواجهة
الصعب و تلافي الإحراج في الفصل من المُدرس او الطلاب.
مع تراكم الخبرة، احاول ان اتعامل مع كل ردة فعل سواء قبل و بعد اختبار
تحديد المستوى، و منها مثلاً:
في العادة، اذا توفرت لي فرصة للحديث مع الطالب على انفراد قبل اختبار تحديد المستوى، اقوم بتهدئة روع الطالب و اخربه بهدوء ان يأخذ الأمور
ببساطة، اخبره ان الاختبار هو اختبار لتحديد مستوى لغة
الطالب، وليس اختبار ذكاء! و ليس اختبار لدخول الجنة! ولنفس السبب سميت هذه العملية عملية "تقييم المستوى" و
ليست "اختبار تحديد المستوى" ربمى تغير كلمة "اختبار" تخفف من وطئة الكلمة.
الطالب المتحمس الذي يرغب بالصعود لمستوى اعلى
و ليس مقتنع بنتجية الإخبتار، اخبره بقصة اول يوم في النادي الرياضي، حيث يقوم
المتدرب بكل حماس بممارسة الرياضة و حمل الأوزان الثقيلة بعنف، و الألم و الورم
الذي يصيب المتدرب المستجد ليست سوى دليل على تمزق انسجة و نتجية خاطئة
لتصرف مندفع، فعلى طالب الدراسة ان يكون كالمتدرب الرياضي – خطوة بخطوة و بتؤدة و عزم
مستمر، يقطع بها المسافات الطويلة بثبات و بشكل سليم، و من اراد اختزال الوقت و حيازة انجاز اسرع و
انجع، عليه ان يضاعف مجهوده في المستواه الذي احتازه و يحرز درجات عالية. التعليم
ليست عملية تصلح بها المجازفة و الجسارة، لا تشعر بالنقص من مستواك وهنا اقول
للطالب بيت من قصيدة الشافعي:
و من لم يذق مر التعلم ساعــة - تـجرع ذل الجهـل طـول حياتـه
اخبرهم بعزم الحجاج ابن يوسف الثقفي (بغض النظر
عن سجله الأسود)، الذي خرج معلم للقران من بني ثقيف، و اخبر اهله عند وداعه لهم انه
لن يرجع إلى ثقيف الإ وهو ذو حضوة و شأن بعد ان تعرض للإهانة من حرس الوالي. فذهب
و دخل مع عسكر الخليفة الاُموي عبد الملك بن مروان ليصل إلى بلاط الخليفة، و ما
لبث ان اعُجب عبد الملك به و تفرس الملاكات النفسية العالية في الحجاج ليوكل إليه
مهمة قيادة الجند تمهيداً لإرسالة ومحاربة اعدائه في الحجاز، ليكون والي على
الحجاز ومن ثمة يوليه على اكثر اقاليم الدولة الاُموية اضطراباً – العراق – يلقمع التمردات
و ايطفأ الثورات و يجمع امر هذه الولاية لأمويين. و رأى اهله في ثقيف جيش جراراً
بقيادة الحجاج ابن بلدتهم و على قدر اهل العزم تأتي العزائم!
بغض النظر عن سجل الحجاج الدامي و الذي يكاد يطبق المؤرخين و المُشرعين على جبروته وظلمه، ولكن كان لديه عزيمة تستحق ان تصبح مثلا يُروى لطلابي!
هناك امثلة كثيرة للنجاح و العزيمة، و لكن يروق
للطلاب ذكر الحجاج – لأسباب شرحها مصطفى حجازي في كتابه الرائع سيكولوجية الإنسان
المقهور: حيث عشق الطغاه و الجبابرة من إحدى مظاهر الإنسان المقهور في العالم
الثالث.
يبدوا ان المقهورين في عالمنا العربي كثُر، خصوصاً الذين يرغبون في تنزيل مستواهم، لم اجد لهم مثيل في بقية
الطلاب من جنسيات اخرى! لا يأتي بهذا الطلب سوى الطالب العربي!
كدتُ ان أفقد عقلي عندما طلبت امُ ان نقوم بتنزيل
مستوى ولدها من المستوى الثالث إلى المستوى الأول!!
و السبب بزعمها ان ابنها الأكبر – و الذي يبدوا
ان قدراته محدودة – اصاب المستوى الثاني، فلا يجوز ان الإبن الأصغر يكون في مستوى
اعلى او حتى بنفس مستوى اخيه!!!!
طبعاً من سياسة المركز، نستطيع تنزيل الطالب
لمستوى اقل اذا ارد ذلك و ضن مصلحته في هذا القرار، و لكن لا نسطيع رفعه لمستوى
اعلى من مستواه حسب اختبار تحديد المستوى الإ اذا كان جدير و بعد ان يقوم بتقييمه
مدير مركز اللغة بنفسه – هو خبير بالدراسات اللغوية!
عالعموم، لازلت في بداية مشواري و خبرتي، فمن
يدري، لعل هذه المرض تعاني منه شعوب اخرى مقهورة في العالم و لكن (ربمى) لم يسعني
ان اسمع هذا الطلب من جنسيات خرى بسبب الجاحز اللغوي. الله اعلم!
اعرف جيداً اسباب هذه السلوكيات و اتفهمها، فعند دخولي انا شخصياً في بادية حياتي الدراسية في اول اختبار تحديد المستوى قبل حوالي عقد من الزمن، كانت نتيجتي لإختبار تحديد المستوى هي المستوى المبتدأ beginner ! و كذلك انا بدوري يومها ارعتُ و ازبتُ و اخبرت
والدي الذي اتى معي لمقابلة المدير، الذي بدوره رفع مستوي (بوساطة)، كانت
ثقتي بنفسي ترجع إلى اني كنت اعرف الأساسيات "بزعمي".
المهم، بعد رفع مستواي للمستوى الثاني (بوساطة) ما لبثت إلى نهاية الدورة حتى سقطتُ في الإختبار النهائي وقم بإعادة الدورة!، بل وما بين ثنايا الدورة كنتُ كالأطرش في الزفة كما يقال! و حينها لم يسعني الأ ان اغني مع ابو بكر سالم:
انا سبب نفسي بنفسي
جبت صبعي صوب عيني!
انا سبب نفسي بنفسي
جبت صبعي صوب عيني!
على طلاب اللغة ان يتحلى بالهدوء و الثقة، ثم يشق طريقه المعرفي بهدوء و تؤدة كالذي يزرع شجرة، لا تشتته العواطف و العجلة، و لا يرجح الجانب المادي و الرغبة في التوفير على حساب تحصيله او على حساب اعصابه، لا يهمه الرياء و نظرة المجتمع و الأهل، بل يهمه تحصيله و شعوره الذاتي العميق بذاته و قدراته!
كان لي صديق اسمه عبد الرحمن يعقوب، اخبرني بحكمة اصبحت و امست لي منهج:
البخيل و المستعجل و الكسول، خسارتهم دائماً مضاعفه!
عمرو
يوليو 2017
كان لي صديق اسمه عبد الرحمن يعقوب، اخبرني بحكمة اصبحت و امست لي منهج:
البخيل و المستعجل و الكسول، خسارتهم دائماً مضاعفه!
عمرو
يوليو 2017

Comments
Post a Comment