احذر عليها تعود - قصة
جدي أحمد رحمه الله رحمة واسعة كان طويل الصمت، كثير التأمل، و بالرغم من الكثير الذي أنجزه في حياته من خير و كفاح إلا أن نكران الذات كان من سِمات شخصيته، و كان حاد الطبع وذو هيبة!، عندما كنت صغيراً جلست ذات مرة بجانبه ولا ادري إرهاصات الحكاية ولكني أذكر عنه حكاية. لا أزال اتذكر القصة من فمه كأنه رواها لي بالأمس القريب، و أحببت ان اشارككم بها للفائدة مع التصرف في المصطلحات لإعطاء طابع بلاغي للقصة. فلنبدأ بقصة جدي ب كان يا مكان في قديم الزمان وسالف العصر و الأون ، و لا يحلو الكلام الا بالصلاة و السلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم:
كان هناك رجل متزوج من سنين ولم يُهب من الولد، كان و زوجته قد بدت علامات الكِبرِ تظهَر عليهما حتى يأسى من طفل يزين لهما حياتهما، بل وصلت شدة اليأس بالأب انه بينما كان يتبادل أطراف الحديث مع بعض أترابه القُدامى أنذر لله (ربما مازحة كان أو جادً) بأن لو وهُب طفل ليبتلعً ثلاث جمرات! و ليجعلً الحمار يؤذن من على المئذنة! و ليذبح خروف حجم ليته (أي شحمة ذيله) سبعةُ اشبار!
مرت الأيام و السنوات فإذا به يفاجئ بأن امرأته حامل!، و ما لبثت ان مرت شهور الحمل حتى وضعت طفلها المعجزة!، فمرت الفرحة قلب الأب ولكن على غُصّة، إذ انه لا يزال وأهل قريته يتذكرون النذر الذي اطلقه وهو قانط من أن يكون له ولد.
احتار الأب و تقطعت به الأسباب، و أصبح يتنقل من شيخ إلى أخر في القرية و الُقرى المجاورة وكلهم أخبروه بأنه لا مفر من الوفاء بالنذر. إشتدت حيرته و همه، و بعد الضيق الذي انتابه قيل له إن هناك عالم تقي في القرية الفلانية لديه من العلم والحكمة والتقوى ما يجعل الناس تضرب له أكباد الإبل حتى يسألوه و يأخذوا بعضاً من علمه.
عزم الرجل على الرحيل لذلك العالم التقي وبعد أيام و صل إلى قريته البعيدة، حتى إذا وصل دلوه على الشيخ، فإذا به شيخ ذو هيبه ما زاده الدهر إلا وقارَ، و كان يمشي في السوق وبيده عصاه يتوكأ عليها.
![]() |
| الإحترام (1901) - لودفيج دويتش |
أقبل الأب عليه قائلاً : السلام عليك أيها الشيخ الجليل..
رفع الشيخ الصالح بصره من الأرض و هو ينظر إليه نظرة المؤمن الواثق بالله و ورد عليه السلام بحزم و تواضع
وأردف الرجل : أيها الشيخ الجليل إني أتيتك من قرية بعيدة مسافراً لتفتيني في مسألة حيرتني.
رد الشيخ: وما مسألتك يا بُني؟
فقص الأب عليه قصته ، ثم اردف: دلني يا شيخ كيف أوفي بنذري حفظك الله.
صمت الشيخ للحظة ثم قال: الا انك شككت في قدرة الله و أنذرت عن يأس وما ينبغي لك ذلك، فنحن عبيده، الم تعلم ان الله على كل شئ قدير؟
وقبل أن يرد الرجل تعليقاً على كلام الشيخ أكمل الشيخ حديثه:
قال أما الحمار الذي يؤذن فوق المئذنة فاذهب إلى سوق، وفي وقت الأذان إبحث و تمعن في الناس، حتى إذا وجتَ أحد ما يٌغني وقت الأذان فأمسكه و راودُه لكي يؤذن على المئذنة (1) ، فمن يٌغني وقت الأذن فذلك جهله جهلاً مُركب ، فهو الحمار بعينه!
و أما الجمرات الثلاث، إذا عدت قبيلة على أخرى و غزتها فاذهب إلى مكان الغزُ و جد لك مكاناً بين المُعتدين، حتى إذا أولموا فجلس و كلّ معهم، و لكن كلّ معهم ثلاث لقيمات فقط، فإنهم ظلمة إعتدوا على اخوة لهم و كل غنيمة غنموها من إخوانهم فهي حرام و كل كل ما يأكلوه ليست سوى جمر من جهنم.
أما الخروف الذي ليته سبعتُ أشبار، فشبر بشبر المولود، و إحذر عليها تعود(2) ، وأبتعد من طريق العود(3)!.
ومضى الرجل الصالح في طريقه بعد أن حل مُعضلة الرجل و أعطاه درس في الصبر و عدم المقامرة على قدر الله و قدرته، لأن قدرته سبحانه مطلقة فهو القاهر فوق عباده وهو اللطيف الخبير.
ملاحظة:
الرجاء عدم أخذ القصة من منظور شرعي لأن الحكم الفقهي له رد أخر في هذا الشأن، إنما القصة حكمتها تدور حول قدرة الله.
كانوا يؤذنون من على المأذن حيث لا مكبرات صوت يومها.
إي إحذر من المقامرة مرة أخرى على قدرة الله
يقصد يبتعد عن طريق العصا التي يتكئ عليها.

Comments
Post a Comment