مسجون في جسدي - قصة

شعور غريب!


أحس بأحساس غريب، كأني أسبح في مكان معُتدل الحرارة، بلا حرارة،

أرى ضوء المكان محُمر!

لا أحس بأي شئ مؤلم في جسدي، ولكني كأني اطفو!

لا اسمع شئ على الأطلاق و هذا الهُدوء مقلق و مخيف، كاني في كهف لا طعم له و لا رائحة!

لا شيء سوى ضوء أحمر و شعور دافئ مرُيح على سطح ماء و كأني راقد على ظهر في محيط دافئ.


حتى أني لا أتنفس!


أنام من غير أن أغلق عينيّ


هل أنا حي أصلاً؟ أم في ملكوت آخر من ممالك الوحي و العالم الفوقي (أو التحتي)


لا أدري لا أدري!


ولكن لا أزال أشعر بذاتي و أتذكر كل شيء، أتذكر عائلتي وزوجتي وأصدقائي وتاريخي وتعليمي ووظيفتي و كل شيء. 


وحتى آخر لحظة كنت فيها عندما تم اعتقالي من الشرطة الكورية الشمالية في قلب بيونج يانج وإدخالي غرفة رمادية بطاولة حديدية و بعدها ....

ها أنا ذا..


مر وقت لا أدري هل هي ساعات أم أيام؟ و لكنه وقت طويل جداً حتى لمحت حركةً ما..

شعرت بالخوف (نعم أنا عندي شعور وأشعر بالخوف)


عشرات الأسئلة تتقاذف في خيالي

(نعم عندي خيال و أتساءل واُفكر وأحلل)


ما هذا الذي يتحرك؟ شبح؟ ملائكة الحساب؟ إله؟!


ذهب الضوء الأحمر وظهر ضوء أبيض ويا للهول!


ثم اقترب ذلك (الشيء) وإذا به يقترب مني ويتمعن بهدوء و إذا به شخص يلبس الأبيض وعلى فمه غطاء سميك و يلبس نظارة كالتي تُلبس في معامل الكيمياء.


طبعاً شعرت بالخوف و زاد تدفق الدم في رأسي و لكن لا أشعر بقلبي!


من هذا ومن أنا؟ّ وماذا يريد أن يفعل بي؟ وهل هو خير أو شر؟ تتوالى الأسئلة عليّ بلا توقف و شعور غريب ينتابني!

و إذا بهذا المخلوق (الطبيب) يلوح بيده بتحية وكأنه يطمئنني!

ثم حرك ما كنت راقد عليه إلى الأعلى، وكأني كنت نائماً على سرير ثم أوقفني!

رأيت جسدي أمامي ملقىً في صندوق زجاجي!



ثم قام هذا الطبيب بإظهار شئ مربع الشكل!

و كأنه مرآة


نظر إلى نفسه فيها و لكن بزاوية تجعلني أرى وجهه في تلك المرآة.

إنه يريد أن يلمح إلى أن الشيء الذي في يده مرآة، 

قلت في نفسي أتمنى لو يسلط هذه المرآة على وجهي لأرى نفسي و أعرف في أي عالم أنا.


و كأنه سمع أمنيتي و إذا به يوجه المرآة لوجهي!


و لا أزال أتأمل نفسي!

لم أر شيئاً سوى عينين مخيفتين ومُخاً!

ما هذا؟!

ما أنا؟!

هل نزعوا جسدي و تركوا لي مخي وعينيّ؟








الآن عرفتُ لماذا أحس ولكن لا أسمع ولا أتذوق!

كل الأحاسيس فقدتها إلا هذا الشعور!

أنا الآن عينان و مُخ!

أصبت بالدهشة والرعب والقلق والتوتر، 

لا أدري و لكن كأني من فرط الخوف والاضطراب غبت عن وعيي. 


___


فتحت عينيّ!

ولكن هذه المرة أشعر بأني مستلقٍ على ظهري و لا أستطيع التحرك

هذه المرة أشعر بالهواء يدخل إلى صدري ولكن بأنف لا أحس به وكأنه تعرض لضربة أفقدتني إحساسي به. 


لا أستطيع الرؤية بوضوح ولكن الضوء يؤلم عينيّ هذه المرة وأشعر أن لدي جسداً هذه المرة و لكنه ثقيل على روحي!

أتلفت يمنة و يسرة و رقبتي تؤلمني و لكن لا أزال  لا أستطيع الرؤية بوضوح.


حاولت التحدث ولكن صدرت من فمي أصوات كأني في كابوس مرعب ولا أستطيع الكلام ولا الصراخ، كأني في ظاهرة شلل النوم!


هل أنا في اليقظة أصلاً؟ أم في كابوس حقيقي؟


شعرت و كأني أسمع صوت عمودي الفقري، وكان له أزيز كأزيز باب حديدي قديم، و انا أشعر بثقلي على نفسي!

بدأت مشاعري تتقلب بين مد الغضب و جزر الجزع، و أريد أن أصرخ بقوة ولكن كأن لساني مقيد!


بدأت الرؤية تتضح أمامي و أدركت اني مستلق على سرير، ظننتُ لوهلة أني مقيد على ذلك السرير و لكن لم أكن كذلك! بل كنت حُراً طليقاً، تتضح الرؤية شيئاً فشيئاً واستطعت أخيراً أن أرى بوضوح يديّ و أخذت أقبلهما و كأنهما ليستا ملكي! إنهما بالفعل مختلفتين تماماً، إنهما شاحبتا اللون و مليئان بالأوردة الظاهرة وكأنهما كانتا لعامل قوي البُنية! فما أن رفعتُ بصري أمامي حتى رأيت ثلاثة أشخاص بعيدين عني، اثنان منهم يرتديان معاطف باللون الأبيض و كمامات الوجه والآخر يرتدي الزي العسكري وعليه ملامح صارمة وبدأ الثلاثة ينظرون إليّ.


تقدم "الطبيبان" أصحاب الملابس البيضاء و أمسكا بيدي و أخذا يحملانني وكأنهما يريدان أن يقيما صُلبي لأقف و أستطيع المشي، أدركت مُرادهما ووقفت من غير ممانعة و بدأت محاولاً المشي ولكن قبل أن أحرك قدميّ بدأت رُكبتاي ترتعشان وكأني طفل يتعلم المشي، وشعرتُ بدوار في رأسي، فسقطت على وجهي و تقيأت، بل ولم أستطع التنفس إلا بعد أن أجلسني الطبيبان على كرسي ووضعا علي وجهي كمامة الأكسيجين.


أدركت واقعى بالحدس، يبدو أني في جسد آخر! وأدركت ذلك بنفسي قبل أن يخبرني ذلك الضابط الكهل ذو الملامح الصارمة وهو يحدثني باللغة الإنجليزية. أخبرني أني أنا الآن في واقع جديد وأن اسمي Kim وأني أعمل في مصنع! وأني أبكم وأخرق، و بالتالي لا ينبغي أن أن أتحاور مع من حولي.


لا أدري كم مضى من الوقت قبل ان أدرك أني في مصنع ولا أدري أين هو، مصنع قديم الطراز كأني في السبعينيات، أتلفت يمنة ويسرة والجو بارد، رأيت نفس الضابط خلفي يكلمني: سيكون عليك نقل الخردة من المنطقة A  حتى المنطقة B من المصنع، و لا يسمح لك أن تقوم بأي شئ آخر.


هنالك أدركت أني سجين، ولكن لستُ سجين لدى الضابط أو ذلك المصنع المعزول، بل في جسدي، أحس بك يا جسدي وكأنك لست مني وأنا لست منك، كأني في مسلسل كرتون في جسد جريندايزر يتحكم فيه شخص آخر. أنا عمرو في جسد Kim، نفسي وهي نفسي، وإدراكي وتاريخي هو إدراكي و تاريخي و لكن لا أسكن نفسي، أصعب ما في هذه الحالة أني لست أنا، فلست سجين في معتقل، بس أنا سجين نفسي!


مرت الساعات وكأنها ثواني، ورأيت العُمال (زملائي) ذوي الأجساد والأرواح الأصلية يتوقفون عن العمل بعد أن سمعوا جرساً، و بدأت ألحق بهم إلى وجهتهم وإذا بنا في صالة الطعام، رائحة غير طيبة تفوح من المكان، الناس يحملون صحون الألمنيوم ذات النتوءات العميقة التي تّقدر الطعام. فغُرف لي الطعام ولم أعرف ما هذا الطبق!


أكلت ما تيسر منه و لكن سمعت صوت مذياع وهو يصدر صوت نغمة عربية! نغمة مُوسيقى كاظم الساهر لأغنيته المشهور "كتاب حُب" اقتربت من المذياع و كلما اقتربت زاد صوت المُوسيقى، فما هي إلا ثوان حتى فتحت عيني فإذا بصوت الأغنية هي نغمة اتصال تأتي من هاتفي، وأنا في غرفة نومي، وضوء الشمس يتسلل من زاوية الستارة، و صوت مكيف الهواء واضح و جيد، جلست على السرير و قلبي يدق بعنف! تأملتُ يدي، ورأيت لمعان خاتم الزواج يجذب انتباهي! تذكرت أن لي نصفاً آخر يؤكد لي أني في الواقع.


"حبيبتي" ناديت بصوت واضح، و صوتي يصدر من لساني من غير أي صعوبة. ابتسمت و تهلل وجهي فرحاً لأني استطيع الكلام، ناديت مرةً أخرى "حبيبتي" 

فجاءت مسرعة من خارج الغرفة تتبعها رائحة الخبز المُعد للإفطار، ثم ظهرت أمامي و هي مستغربة من نبرة صوتي، نظرتْ إلي مستغربة، كانت كأنها فلقة قمر. وكان استغرابها اكثر عندما حضنتها بعنف وأنا مبتسم!


" ماذا جرى لك؟" " هل رأيت كابوساً يا حبيبي؟"


همستُ بلطف وأنا لا أزال مغلق العينين حاضناً لها: 


"بل كنت في سجن، كنت مسجون في جسدي!، و ما أبشع سجن الجسد!"


لم تفهم قصدي، فأخبرتها مُعللاً:


"كثير من الناس يظن نفسه حُراً و مطلق الإرادة، ولكن لا يدري أنه في سجن، لقد كنت في سجن ياقمري"





زُنقل


Comments

  1. رائعة ... مزيدا من التألق أستاذ عمرو ..

    ReplyDelete
  2. قصة قصيرة رائعة جدا .. تمناتي لك بالتوفيق في اعمالك القادمة ..محبتي

    ReplyDelete
  3. رائع جدا بالتوفيق ان شاء الله

    ReplyDelete

Post a Comment